الشيخ توفيق جرّار 
مسيرة عِلْمٍ ودعوةٍ وإصلاح

(1337 – 1416هـ) (1918 – 1996م)
•تقديم
•نشأته وحياته
•نشاطه في الدعوة إلى الله
• نشاطه الاجتماعي
•مواقفه وشجاعته
•وفاته رحمه الله
•الشيخ توفيق في نظر العلماء والأدباء والمجاهدين:
كلمة الشيخ فتح الله السّلوادي – بعنوان: «رجال......لقيتهم»
كلمة الأستاذ أحمد الجدع – بعنوان: «علماء ......عرفتهم»
كلمة د. مأمون فريز جرّار – بعنوان: «شيخ توفّاه الله في محراب مسجده»
برقية تعزية من الأسرى في معتقل مجدّو
قصيدة رثاء للشيخ محمد فؤاد أبو زيد
أبيات من قصيدة للأديب الأستاذ خالد السعيد
•المراجع

تقديم

الشيخ توفيق جرار .... عالم جليل من العلماء الرّواد في فلسطين.. وعَلَمٌ بارز من أعلام الدعوة والتربية والإصلاح في أرض الإسراء والمعراج... كان رئيساً لشعبة الإخوان المسلمين في جنين منذ أن افتُتِحَت عام 1950 وحتى عام 1960م. وكان عضو المكتب العام ومجلس شورى الجماعة في عمان... وكان مفتياً لمدينة جنين وقضائها منذ عام 1953 – 1996م، وعضواً في الهيئة العلمية الإسلامية بالقدس، وعضواً في مجلس الفتوى الأعلى..
كان من العلماء المجاهدين الصابرين الذين تكاملت فيهم صفات الإيمان والإخلاص والتفاني في خدمة دينهم وأمتهم ووطنهم ... وكان من المرابطين الذين دعوا إلى الثبات في أرض الوطن، واكتفوا بالقليل وتحملوا الكثير، ولم يقبلوا على أنفسهم مغادرة الوطن للعمل في الخارج.. كان العالم الذي استعصم بدينه ولم يرتض الذل، ولم يحن قامته لغاصب.. كان صوتاً من أصوات الحق في أرض الرباط، عرفه الناس بمواقفه الصلبة، ومكافحة الظلم في أشد الأوقات ظلمة وظلاماً.. كان في جنين نعم العالم العامل والأب الرحيم الذي ربّى الشباب، وعمل على توحيد الكلمة وجمع الشتات.. فكان مصلحاً كبيراً، ومربياً فاضلاً، ومعلم أجيال.


نشأته وحياته:

ولد الشيخ توفيق محمود قاسم جرار في قرية صانور قضاء جنين، وتلقى دارسته الابتدائية في مدرسة صانور، وواصلها في مدينة جنين وأنهى الصف السابع الابتدائي فيها، ثم التحق بالمدرسة الرشيدية في بيت المقدس وأتم المرحلة الثانوية فيها سنة 1936. وفي القدس شارك في الإضراب العام والمظاهرات ضد قوات الاحتلال البريطاني.
وكان أخوه الشيخ فريز يعمل في مدينة القدس، وكان على صلة جيدة بسماحة الحاج أمين الحسيني زعيم فلسطين وقائد جهادها في تلك الفترة... ومن خلال هذه الصلة شارك في كثير من الأحداث الوطنية خلال الثورة الكبرى عام 1936 وحتى عام 1939. وكان له نشاط في اللجان القومية التي شكلها سماحة المفتي في منطقة القدس، وكانت هذه اللجان مسؤولة عن الأمن والدفاع عن المسجد الأقصى، فتقوم بحراسته والتصدي لأي هجوم يقع عليه.
ولما أنهى الشيخ توفيق دراسته الثانوية في الرشيدية، نصحه الحاج أمين بالتوجه إلى الجامع الأزهر بالقاهرة لدراسة العلوم الشرعية.. وكان لتلك النصيحة دورها في دراسته، فقد درس في كلية الشريعة وحصل على الشهادة العالية عام 1943م، والشهادة العالمية مع الإجازة في القضاء الشرعي عام 1945م...
وكان في القاهرة في تلك الفترة نشاط إسلامي لعدد من قادة الفكر والدعوة، وكان الشيخ توفيق يتردد على ندوة العلامة الشيخ محمد رشيد رضا، وعلى محاضرات الإمام حسن البنا في حديث الثلاثاء.
وبعد تخرّجه في الجامع الأزهر، عاد إلى جنين، وعُيّن في عام 1946م مدرساً للعلوم الشرعية واللغة العربية بمدرستها الثانوية.... وكان يرى أن التعليم وظيفة الأنبياء الكرام، وأن خير المعلمين من كان عنده دين وغيره على الأمة ونشئها.
وفي عام 1953م عُيّن مفتياً لمدينة جنين وقضائها، واستمر في عمله هذا ثلاثاً وأربعين سنة. وقد أُحيل إلى التقاعد، وأُعيد تعيينه بقرار من رئيس السلطة الوطنية في 1/1/1995م.
نشاطه في الدعوة إلى الله:
كان الشيخ توفيق عالماً عاملاً، له إسهام بارز في الدعوة والتربية والإصلاح.. فكان خطيباً للجامع الكبير في جنين مدة ثلاث وأربعين سنة. وكان عضواً في الوفد الذي مثّل الأردن في الدورة الثانية للمؤتمر الإسلامي العام (بيت المقدس)، الذي عقد في دمشق من (26 – 30 حزيران) عام 1956. وكان رئيساً للجنة الإصلاح في محافظة جنين. ورئيساً للجنة الفتوى. ورئيساً لرابطة علماء فلسطين – فرع جنين. وكان عضواً في مجلس الأوقاف الأعلى في القدس. وعضواً في الهيئة الإسلامية العليا في الضفة الغربية. وعضواً في مجلس الفتوى الأعلى في الديار الفلسطينية...
وكان – رحمه الله – من الرواد الأوائل في الدعوة إلى الله، وتربية الشباب على الإسلام في منطقة جنين.. وذلك من خلال عمله في التدريس بمدرسة جنين الثانوية، ومن خلال خطبة الجمعة في جامع جنين الكبير، والتي كان يدعو فيها إلى الثبات في أرض الإسراء والمعراج وإلى مقاومة المحتل مهما كلّفت المقاومة من تضحيات. ومن خلال دروس الوعظ والتربية في الجامع الكبير، والدرس اليومي الذي كان يلقيه في رمضان بعد صلاة الفجر في الجامع الصغير.
وكان الشيخ توفيق من المؤسسين الأوائل للحركة الإسلامية في جنين، وكان أول رئيس لشعبه الإخوان المسلمين في جنين عندما تأسست في عام 1950م، وكانت له دروس ومحاضرات في الشعبة، وكان يشرف على النشاط فيها ويستقبل الزوار والمحاضرين، الذين كان من بينهم الدكتور سعيد رمضان والدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة والأستاذ يوسف العظم.

نشاطه الاجتماعي:

كان – رحمه لله – من السباقين في أعمال الخير، وكان له نشاط بارز في ميادين الخدمة الاجتماعية، ومن ذلك:
كان رئيساً فخرياً للجنة أموال الزكاة في محافظة جنين...كان يرعى مشاريعها، ويدعو لمساندتها، ويجمع لها التبرعات من دول الخليج لإقامة المدارس والمستشفيات وإعمار المساجد، ورعاية الأيتام والأسر الفقيرة وخاصة التي تتعفّف عن السؤال والاستجداء...
وكان رئيساً للجنة الإصلاح في محافظة جنين، يعمل على جمع الشتات، وإصلاح ذات البين، وتوحيد الكلمة. وكان يحمل مشكلات الناس، ويسعى جاداً لحلها..
وكان يهتم بالزراعة، ويشجع الناس عليها، ويدعو لعمارة الأرض.. وكانت له مزرعة زيتون في أراضي قرية الجربا بالقرب من صانور، يذهب إليها دائماً ويعتني بأشجارها.
مواقفه وشجاعته:
كان الشيخ توفيق علماً من أعلام المسلمين في فلسطين.. آتاه الله عِلماً، وقوّة في الإيمان، وقدرة على التصدي للباطل.. كان ذا هيبة.. شجاعاً جريئاً في قول الحق لا يخشى في الله لومة لائم.. كان أبيّاَ عزيز النفس، لم يَحْنِ هامته طول حياته إلا لخالقه العزيز الجبار، ولم يطأطئ رأسه لطاغية ولا لظالم.. كانت جرأته في الحق وثباته عليه طابعه المميز وخلقه الأصيل.. وله في ذلك مواقف مشهورة...
كان يولي قضية وطنه فلسطين اهتماماً كبيراً.. فكان يخطب الجمعة في مسجد جنين الكبير، وينبّه الناس إلى الخطر الذي يحدق بالأمة الإسلامية، ويدعوهم إلى التعاون والثبات والوقوف في وجه المحتل.. ومن تلك المواقف:
عندما احتل اليهود مدينة جنين عام 1948م، كان الشيخ توفيق في ذلك اليوم في قريته صانور.. ولما علم بالخبر توجه إلى مثلث الشهداء الواقع بين بلدة قباطية وجنين، وأخذ يشجع أبناء القرى الذين تجمعوا هناك، ويعطيهم دروساً في الجهاد والاستشهاد، ويحضهم على التقدم إلى جنين وطرد اليهود منها.. فما كان من الشباب إلى أن تقدموا- وبعضهم يحمل العصي والفؤوس لندرة السلاح – ودخلوا جنين وطهّروها من اليهود، بمساعدة مدفعية الجيش العراقي.
كان -رحمه الله – رمزاً من رموز محافظة جنين، بل وكان الرجل الأول فيها .. وكان من الرجال الذين يُحسب حسابهم ويصعب تجاوزهم، فلا يجرؤ أحد على تجاوزه أو مواجهته، فكان المسؤولون في جنين يستشيرونه ويأخذون برأيه في كثير من الأمور، وكانوا يبتعدون عن أي عمل أو أمر فيه مخالفة لتعاليم الإسلام...
وكانت له مواقف وطنية شجاعة – كثيرة ومشهودة- وقف فيها إلى جانب المظلومين، ودافع عن السجناء والمعتقلين في سجون الاحتلال.. ومن تلك المواقف ما رواه لي عدد من وجهاء جنين، منهم: الشيخ زيد زكارنة مدير أوقاف جنين ورئيس لجنة الزكاة فيها، والمحامي أديب العبوشي أمين سر لجنة الزكاة، والشيخ عمر غانم إمام المسجد الكبير في جنين... وكان مما رووه:
•بعد احتلال اليهود لمدينة جنين عام 1967م، نشروا الفوضى في المدينة، وقاموا بتصرفات كلها إساءة وإهانة لأهالي المدينة.. وكان الشيخ توفيق يواجه الحاكم العسكري الإسرائيلي لمدينة جنين بهذه التصرفات ويحتج عليها، فيقول له الحاكم: أنت تهاجمنا دائماً في خطبة الجمعة، فيقول: أنتم محتلون معتدون ومن حقنا أن نهاجمكم. وصار اليهود يعدّلون من أسلوبهم أحياناً في التعامل مع الناس.
•في الفترة الأولى من دخول جنود الاحتلال إلى جنين ذهبوا إلى مخيم جنين وإلى مسجد المخيم ومزقوا المصاحف وتكلموا كلاماً نابياً ضد النساء.. فذهب الشيخ توفيق والشيخ زيد زكارنة إلى الحاكم العسكري في المدينة، وقال الشيخ للحاكم: لقد مر علينا حكم الأتراك واحتلال الإنجليز ولم نَرَ مثل هذه الأمور الهمجية التي يقوم بها جنودكم.. وأتبع قائلاً: أيها الحاكم نحن عرب مسلمون، عندنا أمران إذا اقتربتم منهما فلا نعرف كيف نموت حين ذلك، وهما: العرض والدين. وجنودك عبثوا بذلك.. فقال الحاكم: أيها الشيخ لقد كنت مجازاً ولن تتكرر مثل هذه الأعمال من الجنود.
•في أحد الأيام طلب الحاكم العسكري حضور الشيخ توفيق عنده في المركز.. فذهب وكان معه الشيخ زيد، ولما وصلت السيارة بوابة المركز الخارجية لم يسمحوا لها بدخول ساحة المركز، وطلب الحارس من الشيخ أن يدخل ماشياً بدون سيارة فرفض وعاد إلى البيت.. فاتصلوا به وسألوه عن عدم حضوره، فقال: أنا مفتي جنين وقد منعني الحراس من الدخول بالسيارة، وإني أعتبر هذا إهانة للمسلمين.. فاعتذروا له وسمحوا له بالدخول بالسيارة.
•عندما استشهد ثلاثة من شباب جنين عند حاجز الجلمة، وهم: طارق منصور، وعبد الرحمن محمد من جنين، وعلاّن أبو عرّة من عقابة.. تم إحضارهم إلى جامع جنين الكبير ووضعوهم في غرفة وأغلقت وأرسل المفتاح إلى المفتي، وطلبت السلطة دفنهم في الليل بسبب انتخابات المجلس التشريعي التي ستجري في اليوم التالي، وذهب رئيس البلدية إلى المفتي وكلّمه بخصوص دفنهم في الليل، فرفض وقال: هؤلاء شهداء ويجب أن يخرج الناس لتشييعهم.. ولما علم أهل جنين بموقف الشيخ، توجهوا في صباح اليوم التالي إلى المسجد وشاركوا جميعاً في تشييع الشهداء، وطافوا بهم شوارع جنين، وتم إلقاء كلمات تأبينية. وبعدها أُجريت الانتخابات في موعدها يوم 18/1/1996م.

وفاته رحمه الله:

بعد أن صام شهر رمضان المبارك، وقام بما عليه من واجبات، من دروس وعظ وإرشاد، وتفقّد لأحوال المحتاجين، وزيارة للأرحام.. توجّه إلى جامع جنين الكبير، صبيحة يوم عيد الفطر من عام 1416هـ الموافق 20/2/1996م لأداء صلاة العيد.. فوافته المنية وهو يؤم جموع المصلين مرتلاً سورة الأعلى (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ) [الأعلى: 1 - 5]..
وفي عصر يوم العيد خرجت جنين وقراها لتودّع عالمها، وتوافد آلاف الناس من مختلف مناطق فلسطين إلى جنين للمشاركة في تشييع الجثمان، وارتفع نعش الفقيد على أكفّ الشباب الذين ساروا به من الجامع الكبير إلى مقبرة جنين، وارتفعت أصوات الجموع بالتهليل والتكبير وكلمات الوداع، ضارعة إلى الله أن يتغمّد الفقيد برحمته وأن يعلي منزلته في الجنة.. رحم الله عالمنا وأسكنه جنته مع النبيين والشهداء والصالحين.. وإنا لله وإنا إليه لراجعون.
وقد نعته أسرة دار الفتوى في فلسطين فقالت:
«فقد شعبنا العربي الفلسطيني، ومجلس الفتوى الأعلى، وأسرة دار الفتوى في القدس والديار الفلسطينية، وهيئة العلماء والدعاة علمين من علماء هذه الديار المقدسة كان لهما إسهام بارز وعطاء مميز في مجال الدعوة والإفتاء..
وإذ تنعى أسرة دار الفتوى هذين العالمين الجليلين (الشيخ توفيق جرار، والشيخ هاشم صبري) لترجو الله أن يغفر لهما ويتقبلهما بقبول حسن مع النبيين والصدّيقين والشهداء...».
قال رسول الله : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» رواه البخاري ومسلم والنسائي.

وصيّته:

لقد شرع قبيل وفاته – رحمه الله- بكتابة وصيته التزاماً بما ورد في كتاب الله (كُتِبَ عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية) وقال رسول الله : «ما حق امرئ مسلم – له شيء يوصي فيه – أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».. أما الجزء الذي كتبه ن وصيته فهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه وصيتي لأولادي وبناتي فلذات كبدي وقرة عيني.
أوصيكم يا أبنائي وبناتي الحاضرين منكم والغائبين بتقوى الله العظيم في السر والعلن، في المنشط والمكره، في اليسر والعسر،( ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) [الطلاق: 2] أوصيكما يا ولدي محمد مهدي وبلال بزوجاتكما خيراً واضعين نصب أعينكما قول الرسول الكريم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أكرمهن إلا كل كريم وما أهانهن إلا كل لئيم». وأوصيكما بشقيقتيكما العزيزتين مهدية وختام فأولوهما المحبة والاحترام. عيشوا معاً بمحبة ومودة ووئام فهما خير عون لكما ولشقيقكما هلال وصهيب. جمعنا الله وإياهما في هذه الديار المقدسة وفي هذا البلد المحبوب في وقت قريب إن شاء الله. أما شقيقاتكما المتزوجات القريبات منكما والبعيدات فأوصيكما بهن خيراً وكذلك بأزواجهن وأبنائهن وبناتهن فهن الرحم...
ويبدو أن المنية عاجلته قبل أن يتم وصيته.. غفر الله له وتقبله عنده في الصالحين.
وفي يوم الاثنين 23/9/1996م أقامت دار الفتوى في محافظة جنين، ومديرية أوقاف جنين حفل تأبين تخليداً لذكرى وفاته، تحدّث فيه عدد من العلماء والأدباء عن مناقب الفقيد.. وتخلل الحفل مباراة كبرى بكرة القدم بين مركز شباب عقبة جبر ونادي أهلي جنين على ملعب بلدية جنين.
الشيخ توفيق في نظر العلماء والأدباء والمجاهدين:
بعد وفاته – رحمه الله – قال فيه عدد من العلماء والأدباء والمجاهدين كلمات وقصائد تحمل في ثناياها معاني الصّدق والحق والإنصاف.. ومن تلك الكلمات والقصائد اخترت هذه المقتطفات:
•كلمة الشيخ فتح الله السلوادي بعنوان «رجال ... لقيتهم»...
الشيخ توفيق جرّار مفتي جنين:
سنة 1938م تدفقت على مصر، قبلة الدراسة الدينية والعربية، أعداد كثيرة من شتى أنحاء فلسطين ميممين شطر الأزهر الشريف، وكنا نرى طلاباً جدداً كثيرين من شمال بلادنا وجنوبها على السواء.
وكان توفيق جرار - رحمه الله – يتميز من بين هذه الأعداد المتكاثرة بالحفاظ على السمت الأزهري.. عمامة مكوّرة على رأسه تنسجم مع وجهه أي انسجام، وجبّة «كاكولة» يحافظ على شكلها وأناقتها، ولحية كانت في أول نباتها شقراء تنسجم مع لونه الأشقر.
كان حريصاً على دروسه كل الحرص، وكان دؤوباً على طلب العلم يبذل فيه أقصى مجهود، مبادراً إلى الصلاة يؤديها في أول أوقاتها، فكأنه كان شيخاً منذ دبت قدماه على الثرى.
نال الشيخ شهادة من القسم العام في الأزهر تؤهله أن ينتسب إلى كلية الشريعة الإسلامية، وانتظم فيها مع طلابها درساً وتحصيلاً يواصل ليله بنهاره، ومستقيماً جاداً. وتمر السنون والشيخ جاد متواصل العمل والتفقه في دينه مستوعب للمعارف العلمية بغير كلل أو ملل، غيور على استقامة زملائه الطلاب.
وتمضي الأيام.. وفي يوم عيد ونحن مجتمعون للمعايدة والزيارة في غرفة الشيخ حافظ صندوقة رحمه الله.. قال الشيخ توفيق جرار رحمه الله: يا إخوان تعلمون أن يد الله مع الجماعة، وتعلمون أن الكف وحدها لا تصفق كما يقول المثل:
قلت: وماذا يريد الأخ الكريم؟ قال الشيخ توفيق: حينما نجتمع معاً تكون لنا قوة الجماعة، فلماذا لا نحتفظ بقوة الجماعة.. وأتم حافظ الكلام فقال: في شؤون إيجابية وبناءة.. ولقيت الفكرة قبولاً وترحيباً.. وبالفعل طبقت في مجالات التعاون والإرشاد والأخذ بيد الضعيف.. وكان للشيخين أثر في هذا المجال..
وتمر السنون وأصبحنا على أهبة التخرج في الأزهر الشريف.. وحيث كنت قد آثرت مختاراً أن أكون معلماً.. فالتعليم وظيفة الأنبياء الكرام وسيدنا رسول الله  بعث معلماً وخير المعلمين من كان عنده دين وغيرة على الأمة ونشئها.
وكان من تمام سعادتي النفسية أن كنت طالباً في كلية اللغة العربية، وحينما تخرجت فيها عزمت أن أبدل لباس الأزهر من جبة وعمامة بما يلبسه الناس من ثياب عادية. وتهيأت لذلك عازماً على تنفيذه، وإذا بي بعد صلاة المغرب أسمع قرعاً على باب حجرتي.. وإذا بالشيخين الفاضلين حافظ وتوفيق بسمتهما الوقور الأزهري.. فرحبت بهما في هشاشة وبشاشة، وقلت في نفسي: إن للشيخين شأناً دعاهما لزيارتي. وابتدرني الشيخ توفيق قائلاً: نحن قاصدان راجيان! فأجبتهما وأنا في دهشة مفاجئة.. بل أنتما الأخوان الآمران المطاعان.
وقال حافظ داخلاً في الموضوع مباشرة. سمعنا يا فلاّح.. أنك تريد أن تبدل زيك الأزهري فتصبح بالبدلة الإفرنجية كهؤلاء الأفنديات ونحن نريدك أن تظل محتفظاً بزيك الشرقي الأزهري لباس المنتمين لأزهرنا الشريف. وقال توفيق رحمه الله مؤكداً ما قاله حافظ: أنت يا أخي حباك الله تعالى بالقدرة الأدبية شعراً ونثراً، وكما نراك تكتب في صحف مصر، تكتب إن شاء الله في صحف فلسطين وتخطب في منابرها، وتحاضر في نواديها وستعلّم بإذن الله في مدارسها، ونريد أن يقال عنك: إنك شيخ منا نحن الأزهريين، حتى يكون لنا في ميدان الفن الأدبي صوت مسموع. وقال حافظ في حماسة وانفعال: ألا تحب الدين؟ نريدك أن تكون مع دعاة الدين..
وبعد فترة صمت أطرقت فيها مفكراً.. أجبت الأخوين الكريمين قائلاً: يا أخويّ الفاضلين لست أقل منكما غيرة على الإسلام، ولست أقل اهتماماً بالطابع العربي الشرقي، فسأبقى بالزي الأزهري كما بقي فيه كثير من الشيوخ الفضلاء..
وفي أواخر شهر شعبان اجتمع المجلس الأعلى لدور الإفتاء في فلسطين في مدينة رام الله، وفي دار الفتوى في رام الله.. التقيت شيخنا توفيقاً رحمه الله وتذاكرنا الماضي المنصرم، واستعرضنا المآسي والمصاعب التي تمر في ظلالها البلاد وما بلغ بها من سوء وهوان وضعف.
فقال الشيخ: أنسينا قول الله تعالى (ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ)
[الشَّرح: 5 - 6]؟ وأردف قائلاً: وكيف ستتحقق البشائر وترتفع رايات الانتصار لولا الاحتكاك والصدامات إن المستقبل للحق.
وفي اليوم الخامس من شوال من سنة 1416هـ كنت في مدينة البيرة ذاهباً إلى الطبيب، والتقيت أخي الفاضل الشيخ عباس نمر فأنباني بالخبر الصارع.. لم أتمالك مشاعري وغلبني جائش العاطفة.
قال الشيخ عباس: كان الشيخ يؤم الناس في صلاة العيد وما أن بلغ (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ) حتى وقع ملاقياً ربه. نعم يا أبا المهدي نشأت تقياً صالحاً، وأمضيت الحياة تقياً صالحاً وها أنت تلاقي ربك تقياً صالحاً، في هذا اليوم الأغر بعد إنهاء واجب رمضان صياماً وقياماً ودروساً يفيض منها الأمل والثقة والإيمان بتحقيق الأماني بمشيئة الله.. فإلى رحمه الله.
•كلمة الأستاذ أحمد الجدع بعنوان: «علماء .. عرفتهم»( ):
هذا شيخي، نعم التصقت بالدين وبالتدين عندما تعرفت على الأخوين: توفيق جرار وفريز جرار، كانا نعم المرشدين، آنست منهما علماً وإخلاصاً فتقربت منهما واستفدت منهما وأنقذت نفسي عندما تبعت نصائحهما.
درس الشيخ توفيق في الأزهر يوم كان الدارسون فيه قلة، ويوم كان خريجوه يحملون على الأكف ويقدمون في المحافل ويستمع إلى آرائهم ويؤخذ بمشورتهم.
كان الشيخ طوالاً في الرجال، يلبس لباس أهل الأزهر، ويدير فوق رأسه عمامة قلما نجد مثلها بين المعممين، وهي في شكلها تعطيه هيبة في أعين الناس.
بدأ الشيخ حياته العملية مدرساً، ثم مفتياً لمدينة جنين، وقد احتل في قلوب أهلها مكانة عالية، فأحبوه وأجلوه وقدموه.
وكان اختياره لقيادة جماعة الإخوان المسلمين في جنين اختياراً موفقاً، فقد قاد الجماعة بفكرة وحكمته، ودافع عنها بجهاده ولسانه، ورعى أبناءها بأبوته ونفوذه.
كنا إذا ألمّ بنا مكروه، أو ظلمنا ظالم، أو تعرض لنا سفيه لجأنا إليه فيغيثنا ويدفع عنا أذى المؤذين ومكر الماكرين.
كان الشيخ لي محباً أشعر بهذا الحب إذا حضرت مجلسه فيقربني إليه ويخصني بحديثه، وأذكر أنني كلما أطلت الغياب عن جنين وعدت إليها احتفى بي وأطال في حديثه معي يسألني عن أحوالي وعن مسيرة حياتي.
وعندما زار الشيخ قطر مع لجنة زكاة مدينة جنين أحسنت استقباله ورافقته في تنقلاته، وصحبته أنى ذهب وحيثما حل، ولم أتركه إلا مودعاً عندما غادر عائداً إلى جنين.
أشرف أبو المهدي على تنفيذ الأعمال الخيرية في جنين، وعلى رعاية الأسر الفقيرة، وعلى تعليم أبناء الشهداء، كان درعاً واقياً للناس عندما دهمهم الاحتلال، فتصدى للمحتل وأرغمه على احترام دين البلاد وأعراض العباد.
عندما زار الشيخ يوسف القرضاوي مدينة جنين صيف 1966م حضرت مجالسه مع الشيخ توفيق، وحضرت مطارحاتهم العلمية وآراءَهم الفقهية، فشعرت أن الشيخ توفيق يميل إلى المحافظة وأن الشيخ القرضاوي يميل إلى التجديد، فأحببت في هذا محافظته وفي ذاك تجديده، نحن دائماً بحاجة إلى هذين النوعين من الرجال.
لم يؤلف الشيخ توفيق كتباً بل ألف رجالاً، كان منهجه في هذا منهج الإمام الشهيد حسن البنا، وأشهد أن عدداً ممن رعاهم الشيخ توفيق غدو شعراء وكتاباً، نافحوا بشعرهم عن حقائق الدين وبكتاباتهم عن مبادئ الإسلام.
لم يتخلف الشيخ عن صلاة الجماعة، وقد تولى خطبة الجمعة طيلة توليه «مهمة الإفتاء» وقد استمر يفتي ويخطب أكثر من خمسين عاماً، وقد حضرت من خطبه عدداً وفيراً، وليت أولاده أو محبيه يجمعون خطبه في مجلد.. أو مجلدات فإني أعتقد أنها لو جمعت لبلغت مجلداتها عشراً( )، فقد استمر في خطابته زمناً طويلاً، ولم يتأخر الشيخ عن الإمامة في الجامع الكبير في صلاة الفجر، وقد توفي وهو يؤم الناس في صلاة عيد الفطر في غرة شوال 1416هـ موافق 20/2/1996م، ولم يقدر الله له أن يلقي خطبة العيد التي كان قد أعدها.
كان لنبأ وفاة الشيخ أثره في أهالي مدينة جنين وما حولها، وقد كتب عدد من الشعراء قصائد في رثائه وتأبينه، من هذه القصائد قصيدة للشاعر على حسن جرّار، منها:
أيا إماماً إله العرش ناداه
  وفي صلاة لعيد الفطر لبّاه
شيخ جليل وحسن الخلق زيّنه
  بين الأنام لطيب الذكر أعطاه
والنور في وجهه قد شعّ يؤنسنا
  والكلّ يعرف يا أهلي مزاياه
ومن هذه القصائد قصيدة للشيخ عبد الرحمن جرادات، منها:
شيخ الشيوخ إمامنا
  عند الإله لقد رقيت
ما زلت تَكدح عاملاً
  حتى سعدتَ بما جنيت
•كلمة د. مأمون فريز جرّار:
كتب الدكتور مأمون كلمة ( ) بتاريخ 19/2/2008م بمناسبة ذكرى وفاة والده الشيخ فريز.. وكتب كلمة أخرى بتاريخ 20/2/2008م بمناسبة ذكرى وفاة العم الشيخ توفيق، وعن وفاة شقيقتهما العمة يسرى.. ولاحظ في تواريخ الوفاة مصادفة عجيبة.. إذ كانت المدة الزمنية التي عاشها كل من الشيخ فريز وشقيقه الشيخ توفيق هي (78) سنة.. وأن المدة الزمنية بين وفاة كل منهما ووفاة شقيقتهما العمة يسرى سبع سنوات.. وأنّ الوفاة كانت للثلاثة في أيام متتالية..
أما الكلمة فكانت بعنوان:
«شيخ توفاه الله في محراب مسجده»
أمس كان ذكرى وفاة والدي رحمه الله الذي توفي في 19/2/1989م.
واليوم ذكرى وفاة العم الشيخ توفيق جرار الذي توفي في 20/2/1996م
وهو العالم الأزهري الذي عمل في التعليم في جنين في فلسطين من عام 1946م حتى عام 1953م حيث عين مفتياً لمدينة جنين وقضائها.
وكان رحمه الله من أعيان المنطقة بل من أعيان فلسطين وكان له نشاط في الدعوة من خلال عمله ومن خلال انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين.
كما كانت له مواقف شجاعة فقد كان يقول كلمة الحق على المنبر في خطبه.
وكانت له مواقف مشهودة بعد وقوع الضفة الغربية تحت الاحتلال اليهودي.
كان عضواً في الوفد الذي مثل الأردن في الدورة الثانية لمؤتمر بيت المقدس في دمشق عام 1956م وكان رئيس لجنة الفتوى ورئيس لجنة الإصلاح في محافظة جنين وعضو مجلس الأوقاف الأعلى وعضو الهيئة الإسلامية العليا في القدس.
كان رحمه الله خطيب الجمعة في المسجد الكبير في جنين الذي بنته فاطمة خاتون حفيدة السلطان المملوكي قانصوه الغوري.
وقد بقي خطيباً في هذا المسجد ثلاثة وأربعين عاماً.
ومن تقدير الله الحكيم ما كان من نبأ وفاة هذا العم الكريم والشيخ الجليل.
توجه كعادته في صبيحة يوم عيد الفطر الأول من شوال 1416هـ الموافق 20/2/1996م توجه إلى المسجد ليصلي بالناس صلاة العيد ويلقي الخطبة.
وبدأ بالصلاة، وقرأ الفاتحة، وبدأ بسورة الأعلى ومضى في القراءة حتى وصل إلى قوله تعالى: فجعله غثاء وسكت صوته ووقع ميتاً في المحراب الذي أمّ الناس فيه أكثر من أربعين عاماً.
وكانت الصلاة منقولة من محطة تلفزيونية محلية وكان لهذا المشهد أثر بالغ في قلوب الناس وكانت جنازته في عصر ذلك اليوم شارك فيها أبناء جنين وما حولها.
وقد كتب عنه مقالاً الشيخ فتح الله السلوادي، ورثاه شعراً الشيخ محمد فؤاد أبو زيد، والشاعر خالد السعيد.
وجمع الأستاذان أحمد الجدع وحسني جرّار خطبه في كتاب صدر عن دار الضياء في عمان.
كانت وفاته رحمه الله في اليوم التالي لذكرى وفاة أخيه (والدي) الشيخ فريز جرّار بعد سبع سنوات من تلك الوفاة.
واليوم وأنا أراجع سيرته تبينت لي موافقة أخرى بين الأخوين: فريز وتوفيق هي الوفاة عن عمر واحد. فوالدي مات عن ثمانية وسبعين عاماً، وكذلك العم الشيخ توفيق فقد ولد عام 1918م وتوفي في عام 1996م.
وغداً سيكون ذكرى وفاة العمة يسرى التي توفيت بعد العم الشيخ توفيق بسبع سنين رحمهم الله جميعاً وموتى المسلمين أجمعين وسبحان الحي الباقي الحكيم الخبير.
•برقية تعزية من الأسرى في معتقل مجدّو:
بسم الله الرحمن الرحيم
(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) [آل عمران: 145]
من بين الأسلاك وخلف الأسوار.. من معتقل مجدو نقول لكم عظّم الله أجركم، وشكر الله سعيكم، وأحسن عزاءكم وغفر لميتكم.. الأهل الكرام آل جرار الأعزاء..
لقد آلمنا المصاب وحزنت القلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله.. هذه سنة الله في الحياة.. نعم رجل المبادئ وفارس الحق في درب المجد دون كلمة وداع اللهم إلا ابتسامة يواجه بها المؤمن الموت (ويموت المؤمن مبتسماً).. هنيئاً له موتته لقد لقي الله وهو يدعو إلى الله يصرخ في الناس في هذه الأمة النائمة أن أفيقوا.. يستنهض الهمم وينذر الأمة أن الإسلام والمسلمين وفلسطين في خطر.. نعم بعزيمة منبثقة من إرادة الشباب وحماستهم وحكمة الشيوخ.. نعم يا مربي الأجيال فكان لك المكان اللائق على كرسي الأستاذية.. علمتنا كيف يكون العطاء بلا خوف ولا تردد.. كنت مع الحق حيث كان، واعتصمت بمحراب الإيمان، ورفعت راية القرآن بحماس وقوة.. علمتنا أن هذا الدين لا يقوم بالرخص بل بالعزيمة والتضحية والفداء.. علمتنا الشعار الذي يدوي في كل العالم يهدد الغرب الصليبي الحاقد والصهيونية العالمية والتآمر الدولي على فلسطين وأهل فلسطين.. هذا الشعار الإخواني الحماسي: الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. علمتنا كيف يكون المسلم دائماً في خدمة الفقراء والمساكين.. وكيف يكون محارباً للفتن وجامعاً للكلمة، فكنت رجل الإصلاح وقبل ذلك العالم المجاهد الذي رفض أن يفرّط بذرة تراب من فلسطين.. لقد كنت نوراً للهداية، وناراً على المنحرفين.. أستاذاً للجيل المؤمن وحرباً على الفاسقين.. رحلت أيها الفارس وتركت خلفك ألف فارس.. معهدك الثري أودعته إياناً مصاناً، ورسالتك التي أردت تبليغها وصلت.. وأخيراً لا نقول وداعاً بل إلى لقاء يجمعنا على حوض النبي المصطفى ...
يرحمك الله يا شيخنا يا شيخ المجاهدين وحامل مشعل الهداية والنور..
وتعازينا إلى آل جرّار وأهالي مدينة جنين وإلى الشعب الفلسطيني.
الأسرى في معتقل مجدو      21/2/1996م 
•قصيدة في رثاء المرحوم الشيخ توفيق( ):
للشاعر الشيخ محمد فؤاد أبو زيد
جنينُ في يوم عيد الفطر تلقانا
  بعد الثلاثين من صومٍ لمولانا
وقَفْتُ بالمسجد المحزون أسأله
  هل كنتَ يوماً لبعض الناس عنوانا
أجابني المنبرُ المفجوع في ألمٍ
  أرجوك لا تُشعل الأحزان نيرانا
انظر لمحرابنا تُدرك خواطرَهُ
  قد ودَّع البدر لا يأتي فيلقانا
قد غاب عنا وكل العمر نعرفُه
  في كل فجرٍ يُضيءُ الدربَ إيمانا
ما من تجارة دُنيا أشغلته بها
  وما ارتضى غير بيت الله ميدانا
خمسون عاماً من الأيام نعرفُهُ
  لدعوة الحق بين الناس رُبّانا
يدعو إلى الله من علياء منبره
  وينشرُ الخير إسراراً وإعلانا
هذي تجارة شيخ كان مفتينا
  ومرشداً لطريق الحق إخوانا
يا أيها البدر فينا كنت ذا شرف
  في عزّة الحق للرحمن إذعانا
يا شيخنا قد حباك الله مكرُمةً
  تؤمُّنا قائماً بالذكر هيمانا
يا شيخُ توفيقُ يا جرارُ قد نزلت
  أوامرُ الله كي تُهديكَ غُفرانا
أتاك أمر توقَّفْ جئتنا قدراً
  و أنت تتلو من الآيات قرآنا
أنت الإمام ورسل الله قد حضرت
  من السماء لقبض الروح إيذانا
فطارت الروح من محرابها فرحاً
  في موكب من ملاك الله يغشانا
قد فارقَت عيدَ دُنياها وقد طربت
  إلى الجنان لتلقى اليوم رضوانا
هُنِّئت يا شيخنا من كل أفئدة
  تبغي الرحيل من المحراب لو كانا
ما كل من يتمنى الموت يدركه
  بمثل موتك قد أُكرِمتَ إحسانا
فارقت دنيا وقد عايشتها علماً
  فكُنتَ في هيبة للعلم عُنوانا
إنا على العهد لن ننساك في عمر
  قد كنت رمزاً لنا شيباً وشبانا
جزاك ربي جنان الخلد قد رحُبت
  ونلت فيها المنى روحاً وريحانا
•أبيات من قصيدة للأديب الشاعر الأستاذ خالد السعيد( ):
جُد بدمع العيون بعد الفقيد
  ودّع المحاريبَ في يوم عيد
جاءك الموتُ في صلاة وذكرٍ
  فهنيئاً لك اختيار المجيد
كنت تفتي لنا برأي رشيد
  كنت تبدي لنا بنصح سديد
لك في الفضل سابقات توالت
  قد نصرتَ الإسلام منذ عقود
أسأل الله أن يعوَض خيراً
  ولك الأجر في جنان الخلود
المراجع:
1-مجلة الإسراء – الصادرة عن دار الفتوى في القدس – العدد الثالث، 1416هـ - 1996م.
2-أحمد الجدع: أدباء وعلماء عرفتهم، عمان، 2008م.
3-أحمد الجدع وحسني جرار: شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث – شعراء بلاد الشام، جـ 2، عمان، 2009م.
4-خالد السعيد: ديوان «الأسرى أولاً».
5-فاروق بدران، وسعود أبو محفوظ: محطات في مسيرة الحركة الإسلامية في الأردن (1946 – 1996م)، عمان، 1996م.
6-مقابلة مع الشيخ زيد زكارنة – مدير أوقاف جنين، ورئيس لجنة الزكاة، في 17/12/1999م.
7-مقابلة مع المحامي أديب العبوشي – أمين سر لجنة الزكاة، في 17/12/1999م.
8-مقابلة مع الشيخ عمر غانم – إمام الجامع الكبير في جنين، في 14/5/1999م.
9-حفل تأبين في جنين بتاريخ 23/9/1996م، تحت رعاية دار الفتوى ومديرية أوقاف جنين.
10-مدونة د. مأمون جرّار: (مكتوب) على الانترنت.